حسن بن حمزة الشيرازي ( شرف البلاسي )
14
رسالتان في الحكمة المتعالية والفكر الروحي
وإنّما يصدق ذلك في الانسان الذي أوجد ولم يكن من قبل شيئا مذكورا ، وعندما صار موجودا علمنا أنّه انفطر من بداية وأنّه سيؤول إلى غاية أو نهاية ، وهذه صفة المعدوم ، « والمعدوم لا يتبع الموجود ولا يتبعه الموجود » . وربما استطعنا أن نستحضر في هذا الايجاز البسيط الواضح مجموعة المعاني الطويلة التي ذكرها قبل هذين البيتين وبعدهما . على أنّه لا يعني بالمعدوم هنا هذا المعنى الشائع وهو : ما استحال وجوده ، أو ما استحال أن يكون له صيغة ما يفهم منها أنه موجود . بل قصد بالمعدوم ذلك الموجود الذي يكون من اخصّ أوصافه العدم ، فلا يستطيع أن يستمرّ في الوجود كما يشاء ، ولا أن يعطي ذاته الوجود الذي يشاء ، فوجوده خارج عن حدّ قدرته ولا يدخل في طوع إرادته ، وأنّ غيابه أو موته أو استحالته لا تعني فقدانه أو انعدامه أو خروجه من حدود الوجود . ولا أجد حرجا في أن أقترح معنى آخر لهذا البيت : فكلّ إنسان بل كلّ مخلوق له صفة خاصّة به تميّزه عن غيره من بني جنسه وإن اتفق معهم في كثير من الصفات ، لكنّ هذه الصفة تعطيه الفردية التي لا يمكن سلبها عنه وإعطاؤها إلى غيره ، ولا هو يقبل من غيره صفة خاصّة أخرى ، فيظلّ متميّزا بذاته الحقّة التي لا تلتصق بها ذات حقّة أخرى ، أي لا يكون متبوعا ولا هو يخلع ذاته لتذوب في غيرها من الذوات ، أي لا يكون تابعا . وأرى أنّ هذا المعنى لا يختلف مع فلسفة المؤلّف رحمه الله